جيرار جهامي ، سميح دغيم

1086

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

ونختبره ، أو ما نصنعه وننجزه ، أو ما نقوم بتوليده أو تحويله . وهكذا فنحن إزاء مفهوم للحقيقة يتجاوز المنطق الصوري ، بقدر ما يصدر عن منطق مغاير ، هو منطق علائقي تحويلي ؛ أي لا يقوم على درك ماهيات بقدر ما يقوم على تفكيك بنيات وتحويل علاقات . بهذا المعنى ليست الحقيقة وراءنا ولا هي أمامنا ، بقدر ما هي إقامتنا في العالم واندراجنا في الحاضر وانخراطنا في صناعة الأحداث . إنها كيفية سوسنا لأنفسنا وطريقتنا في إدارة الأشياء أو علائقنا بالعالم أو إجراءاتنا في تحويل الواقع . بهذا المعنى أيضا كل واحد يقيم صلة مع الحقيقة بتجاربه ومغامراته ، بأعماله وصنائعه . وهذا ما يفعله بوبر . إنه أقام علاقة مع الحقيقة لا أكثر . وهي علاقة ملتبسة متعارضة ، بدليل أنه كان يحدّد لنا معيار الحقيقة ، وهذا شأن الخطاب ، لا ينفكّ عن تعارضه وتوتره . ( علي حرب ، الماهية والعلاقة ، 175 ، 27 ) . - أميّز بين مفهومين للحقيقة : مفهوم تقليدي يقول أولا بأن الحقيقة هي تطابق المعرفة مع موضوعها ، ومفهوم حديث يرى أن الحقيقة هي مجرّد تفسير أو تأويل لما يقع ، ويقول ثانيا إنه لا مجال لأن يتطابق المفهوم مع المقول ولا مع الموضوع . بكلام أوضح : في الرؤية التقليدية ثمّة ذات تتمثّل الشيء العيني أو تصف الحدث الخارجي وتعبّر عنه بكلام يتطابق معه . في الرؤية الحديثة والأحرى القول في الرؤية المعاصرة ، لا انفصال بين الذات والموضوع ، بمعنى أن الذات التي تعرف تحدّد في الوقت موضوع المعرفة ، كما أن الموضوع يحدّد في الوقت نفسه فعل المعرفة ، بحيث يمكن القول إن المعرفة بالشيء تسهم في تكوينه وإعادة إنتاجه ، كما تسهم في تحويل الذات وإعادة بنائها . إذن في الرؤية المعاصرة لا الذات تعطى قبل الموضوع ولا الموضوع يعطى قبل الذات ، بل ثمّة تكوين متبادل لموضوعات المعرفة وللذوات العارفة . وهذا التكوين المعرفي الذي به نعرف ذواتنا والعالم لا يقع خارج التاريخ ، بمعنى أنه لا يشكّل معرفة كلّية ضرورية بماهيات ثابتة ، وإنما هو تجربة تاريخية ومقاربة للأشياء نسبية مشروطة تتوقّف على أدوات المعرفة وأساليب البحث ، وتختلف باختلاف التجارب والاختبارات ، وتتعدّد بتعدّد المرجعيات والاستراتجيات . وكل ذلك يجعل من المعرفة المجرّدة تأويلا تلعب فيه الرغبة والمخيّلة واللغة وأدوارها . ومعنى كونها تأويلا أن الحقيقة أقلّ يقينية وثبوتا ومصداقية مما نظنّ . وفي هذا ضرب لمفهوم الحقيقة التقليدي القائم على التطابق والوحدانية والثبات . ( علي حرب ، الممنوع والممتنع ، 73 ، 13 ) . - الحقيقة ليست معطى خفيّا ينبغي البحث عنه ، بل هي نتاج وبناء . ولا تبنى الحقيقة من دون الغير . إذ للغير الحقّ في أن يكون مختلفا عنا ، ما دام الاختلاف آية من آيات الخلق . فعلينا أن نعترف بحق الآخر إذا أردنا درك الحقيقة وبلوغ الوحدة . فالحقّ وجه من وجوه الحقيقة . ولهذا فنحن إنما نحتاج أوّل ما نحتاج إلى الإعلان عن « حق الاختلاف »